|
مشروع انقاذ وطني يعد له المشترك.. وأكد بان الوضع يتجه نحو أزمة وطنية
عميقة |
في محاضرة بمركز الدراسات..
أمين عام الإشتراكي:الوحدة بالنسبة لنا مشروعاً وطنيناً لا تراجع عنه،
والحياة السياسية تعيش أزمة باردة
14/05/2008 الصحوة نت – خاص – فهمي العليمي:
أكد الأمين العام للحزب الإشتراكي اليمني أن الوحدة بالنسبة للحزب
الإشتراكي مشروعاً وطنيا وخيارا لا تراجع عنه، وقال الدكتور ياسين سعيد
نعمان: إن هذا الموقف للحزب يرد على من يقيمون الوحدة بأنها مجرد اقتسام
للمناصب، وأضاف في محاضرة بمركز الدراسات الإستراتيجية صباح اليوم: لقد ظل
الحزب الاشتراكي في وضعه المحاصر بعد الوحدة يصر على قيام دولة الشراكة
الوطنية الديمقراطية، غير أن مقومات هذا المشروع كان يجري تقويضها وإضعافها
بتوظيف عوامل سلطوية قلصت تمثيل الجنوب في هيئات ومؤسسات السلطة على نحو
بدا وكأنه يختزل بصورة أصغر من مكانته كشريك أو كطرفٍ ثانٍ في الوحدة.
وأوضح نعمان بأن ما تعيشه الحياة السياسية اليوم هو بمثابة أزمة باردة،
تحتم على القوى السياسية البحث في مستقبل هذه الأزمة، والجلوس على طاولة
حوار وطني جاد للبحث في مشكلاتها.
وفيما إتهم أمين عام الإشتراكي السلطة بالتنصل عن الحوار الذي قبل به
المشترك بدوافع وطنية، في حين كانت السلطة تبحث من خلاله عن شريك لها في
المشكلة والفشل، كشف عن مشروع وطني للإنقاذ يعد له المشترك لمعالجة الأوضاع
والإختلالات القائمة، وخطوة وطنية تنفتح على الأحزاب السياسية والمنظمات
المدنية باعتبار أن الأزمة وصلت إلى مستوى لابد أن يشترك في حلها الجميع.
وأكد د. ياسين سعيد نعمان في محاضرة "رؤية في المستجدات السياسية تنشر
الصحوة نت نصها" بأن المشترك قادر على حل الأوضاع ومعالجة الأزمة القائمة
ويمتلك التشخيص الدقيق لمعالجتها، وسبق وأن تقدم بمشروع وطني للخروج منها،
عارضته السلطة واعتبرته حينها إنقلابا على الثوابت.
وأضاف: وفي حين أغلقت أبواب الحوار فتحت أبواب الحروب والعنف، فقد تواصلت
الحرب في صعدة في أشرس صورها منذ خمس سنوات واستمر العنف والقمع يدك الصيغة
الوطنية لقضية الجنوب بالاعتقالات والمطاردات وقمع النضال السلمي
والاعتصامات السلمية وتكوين مزاج مقاوم خارج شروط النضال السلمي، والذهاب
إلى انتخابات اسمية وشكلية للمحافظين كإجراء يستهدف في الأساس فكرة الحكم
المحلي كامل الصلاحيات في أساسها، مؤكدا بأن الهدف من إغلاق الأبواب بمثل
هذه الصورة هو اختيار طريق المعالجة المفضي إلى تقليص فرص الحل بالاستناد
إلى الخيار الديمقراطي والاستعانة بالأدوات القديمة الرابضة في مخابئها
بدلا عن تلك الأدوات التي بدأت في بلورتها الحاجة الموضوعية لبناء وطن يتسع
للجميع وتتعايش فيه كل الأطياف السياسية والاجتماعية والثقافية على قاعدة
المساواة والمصالح المشتركة.
ودعا نعمان الخيرين في الوطن إلى تقديم النصح للسلطة بمنح الصلاحيات للسلطة
المحلية، طالما وقد مررت عبر أغلبيتها تعديلات في قانون السلطة المحلية
بشأن إنتخاب المحافظين دون توافق وطني، مستغرباً أن تمرر تعديلات السلطة
المحلية بنفس الصلاحيات القديمة المقيدة لعملها "حتى تحظى بموافقة خارجية
وتذهب الأصوات الداخلية للجحيم".
واعتبر نعمان تقليص فرص الحل بالاستناد إلى الخيار الديمقراطي يضع البلاد
على طريق مختلف تماما عما قدره وارتضاه أبناءه في لحظة من اللحظات الاختيار
الواعية التي لا تتكرر إلا نادراً.
وفيما أكد بأن الوضع اليوم يتجه نحو أزمة وطنية عميقة، تسائلا: كيف تسمح
هذه السلطة لنفسها أن تختزل المسألة في جزئية مثل اللجنة العليا وتعرضها
على أنها هي المشكلة، مستطرداً : إن هذا التبسيط يخفي وراءه عجزا خطيرا في
قراءة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتدهورة في البلاد وهو
ما يجعل الأجندا التي تتحرك بواسطتها السلطة الحاكمة تشير إلى احتمالات
كلها تغرق البلاد في مزيد من العنف والتطرف.
وأكد أمين عام الحزب الإشتراكي اليمني بأن نموذج الديمقراطية المسموح به
هذا لم يعد قادرا على توفير شروط استمراره إلا بالقوة أو على نحو انفرادي،
فالمعارضة ممثلة باللقاء المشترك لم تعد قادرة على أن تكون اللاعب المقابل
في لعبة التسوية التي قبلتها من سابق لصالح رعاية الخيار الديمقراطي.
وأضاف نعمان:عندما عبر "المشترك" عن رأيه في طبيعة الأزمة الوطنية التي تمر
بها البلاد ودعا إلى جعلها الموضوع الأول في حوار سياسي وطني شامل، لم يجد
المؤتمر ما يدفع به هذا التوجه سوى إصراره على مواصلة السير في الطريق
الخطأ رافضا الاعتراف بالأزمة التي تتصاعد مظاهرها في أوضاع الجنوب
المحتقنة وحروب صعدة والاحتقانات الاجتماعية التي يولدها الفقر وتزيد
رقعتها واتساع الفجوة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع وتزايد الفوارق
الاجتماعية الناشئة عن الخلل العميق في توزيع الثورة، وتنامي تأثير القيم
التي تعكس أنماط الاقتصاد السائد وتراجع العمل كقيمة اجتماعية، إضافة إلى
ما ولدته هذه الظروف من قيم دخيلة ومن ظواهر العنف التي انتشرت على نحو
يهدد السلم الاجتماعي.
الصحوة نت تنشر نص محاضرة الدكتور ياسين سعيد نعمان
كانت انتخابات 2006 الرئاسية على وجه الخصوص قد مثلت محطة هامة وضعت البلاد
على مفترق طريقين: الطريق المفضي إلى تعزيز الخيار الديمقراطي، ويصبح الشعب
فيه لاعباً رئيسياً في تقرير مستقبل البلاد باعتبار أن الديمقراطية ستنقل
العبء الأكبر إليه فيها يخص شئون الحكم وما يرتبط بها من اختيارات ومسئولية،
أو الطريق الذي يكرس الهامش الديمقراطي المسموح به والذي لا يجب أن يتجاوز
حاجة "النظام" المغلق إلى الديكور الخارجي لتوليد فضاء ذهني يسمح له "أي
لهذا النظام" بتوسيع عقوده مع كل من يرغب في الالتحاق بركبه أو الدوران في
فلكه.
ولأن الانتخابات قد كشفت للنظام وسلطته عن أن الهامش المسموح به عن
الديمقراطية والذي ظل يوظف لإعادة إنتاج هذه السلطة على نحو دوري لم يعد
مقبولاً شعبياً بعد أن تدهورت الأوضاع السياسية والاقتصادية لدرجة غير
مسبوقة، وأنه من غير الممكن أن يواصل الناس رهن خياراتهم لمثل هذا الهامش
الضيق، فقد أعطى ذلك مؤشراً جاداً عن أن الديمقراطية قد تجاوزت المسموح
وبالتالي لابد من إعادتها إلى وضعها القديم وتقطيع الزوائد عبر عمليات
استئصاليه سريعة، بل أن العمليات العشوائية والمذعورة تجاوزت الزوائد إلى
الهامش القديم، وراحت تفتش عن وسائل قانونية وغير قانونية لوضع قيود جديدة
على الديمقراطية والحريات بهدف ترويضها وفقاً لحاجة النظام.
هذا الذعر الذي عبرت عنه السلطة بالسير في الطريق المفضي إلى الاستبداد دفع
قطاعات من التجمع إلى التعبير عن رفضها باستنهاض الفعل الديمقراطي الكامن
والذي لم يجرب بعد إلا في حدود ضيقة، وفي المواقع التي تصبح فيها استنهاض
هذا الفعل لأسباب وعوامل عديدة، بدأ حراك ديمقراطي من نوع آخر، وكان الحراك
السياسي في الجنوب قد توفرت له عوامل وشروط الظهور والبدء على نحو مكنته من
أن يتصدر الحراك السياسي والجماهيري على صعيد البلاد من حيث المبادرة وقوة
الحشد وتماسك الروابط الداخلية وانتظامه في سياق متصل بظروف المعاناة
الذاتية لمتسببه، وما شهده هذا الجزء من الوطن من ظروف حرب 1994 جعلت
المشهد السياسي والاجتماعي فيه يبدو وكأنه غرفة عمليات طوارئ حتى استطاع
الحراك أن يعيد بناء المشهد على النحو الذي جعله أكثر تعبيراً من الناحية
السياسية والمعرفية عن حاجة الجنوب إلى احتشاد سياسي "وليس عصبوي" يمكنه من
إعادة الاعتبار لمكانته في المعادلة الوطنية كطرف أساسي في الوحدة، وهي
المكانة التي خربها إحلال القوة محل الديمقراطية والسلام.
جرى التعبير عن هذا الاحتشاد وأهدافه "بالقضية الجنوبية"، وهو مصطلح لا
يحمل دلالات انفصالية، كما يحاول البعض أن يفسر ذلك، ولكنه يضع الجنوب في
إطاره السياسي التاريخي كطرف في الوحدة اليمنية، طرف وليس ملحق، والسؤال:
هل الحراك السياسي هو الذي خلق "القضية الجنوبية" أم أنها هي التي تسببت في
الحراك ودفعت به إلى السطح.
الحقيقة أن هناك علاقة جدلية بين الفطرة كأساس موضوعي وتعبيراتها التي تجلت
في صورة ذلك الحراك السياسي الذي دفع بالفكرة إلى الصدارة.
فالحراك السياسي لم يخلق القضية على نحو إرادي، وبدون أساس موضوعي، أي أنها
لم تكن مجرد رغبة في اصطناع "عنوان" تعبوي مشاغب يضمر مشروعاً إنفصالياً –
كما يقول البعض، فمسارات الحراك وما صاحبه من حوارات فكرية وأسئلة ذات بعد
سياسي وطني عميق قد كشفت الغطاء عن حقيقة الوضع السياسي القائم ووضعته تحت
المجهر في صورة الأزمة البنيوية التي تمر بها البلاد، وهو ما يجعلنا نتبع
الأساس الموضوعي لهذا الحراك في سياقاته التاريخية، أي أن هناك قضية وراء
هذا الحراك ملازمة له اتجه بها نحو بلورة صيغة وطنية في غمار تفاعل جماهيري
استلهم المكون الموضوعي لها في مضمونها السياسي والثقافي عبر المراحل
الثلاث التي مرت بها، وهي:
المرحلة الأولى: وهي التي تمتد من الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث
كان الجنوب مقسماً إلى 23 سلطنة ومشيخة وإمارة ومستعمرة، قبل أن تنجح ثورة
14 أكتوبر بقيادة الجبهة القومية في تحرير الجنوب وتوحيده في دولة واحدة.
ويرى البعض أن "القضية الجنوبية" تبدأ من هنا من التشكيك في شرعية هذه
الخطوة التي تعسفت الوضع السياسي – التاريخي للجنوب- كما يقول أنصار هذا
الرأي، وأكسبته صفة مختلفة لحقيقته، وحولته من جنوب عربي إلى جنوب يمني
مستندة إلى الفكرة القومية الأيديولوجية يومذاك.
والأساس في ذلك هو الشرعية الثورية حيث لم يستفت شعب الجنوب على ذلك كما
يقولون، الأمر الذي يترتب عليه من وجهة نظرهم بطلان كل ما أحدثته الدولة
بعد ذلك من تغييرات جوهرية في وضع الجنوب سواء في صورة الوحدة التي فرضت
على إماراته ومشيخاته وسلطناته "مكوناته السياسية"، أو وحدته فيما بعد مع
الشمال.
هذا التفسير "للقضية الجنوبية" الذي يعود بها إلى هذا التاريخ المبكر ليس
مقطوع الصلة بمشروع سياسي كان حاضراً بقوة يومذاك، لكن ليس بالضرورة أن
يكون أصحاب هذا الرأي اليوم هم أنفسهم أصحاب المشروع القديم، هؤلاء يحاولون
اليوم الاستقواء بقراءات تاريخية إضافة إلى واقع التجزئة الطويل الذي كان
قائماً في ظل السيطرة الاستعمارية، وجميعها هزمت في الصراع السياسي
التاريخي للجنوب.
أثناء الصراع بين النظامين قبل الوحدة قام النظام في صنعاء بمختلة سياسية
فيها الكثير من النزق بهدف حشد أصحاب "هذه القضية" ضد النظام في الجنوب،
وجرى الاحتفاظ بجيوب منها ثم توظيفها بعد الوحدة لمواجهة الحزب الاشتراكي.
المرحلة الثانية: وتبدأ مع قيام الوحدة بين الدولتين: جمهورية اليمن
الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية في 22 مايو 1990، وهناك من
يرى أن "القضية الجنوبية" تبدأ من هنا من هذا التاريخ بسبب أن الوحدة
المعلنة جرى سلقها على عجل دون مراعاة الشروط الموضوعية لنجاحها واستمرارها،
ويتحدث هؤلاء عن اهتمام قيادتي الدولتين فقط باقتسام السلطة والوظائف دون
رؤية إستراتيجية لبناء دولة الشراكة الوطنية بقواعد دستورية وقانونية واضحة،
ويقول هؤلاء أن قيادة دولة الجنوب لم تستفت شعب الجنوب في الوحدة، بل
رتبتها من وراء ظهره، وهذا المنطق في الحقيقة لم يظهر سوى مؤخراً في محاولة
لبلورة مزيد من معطيات "القضية" التي ينسبونها إلى مرحلة الوحدة.
والملفت للانتباه أنه مع كل مرة تبرز هذه القضية على نحو معاكس لطابعها
الوطني تتحول إلى محور إئتلافي لكل القوى اليمنية التي كان لها حسابات
خصومة مع نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بما في ذلك قيادة
الجمهورية العربية التي استمرت بعد الوحدة تقدم الذرائع من حيث ندري ولا
تدري لبلورة هذه القضية بهذا المفهوم نكاية بالحزب الاشتراكي الدولة التي
توحدت معها.
فبعد الوحدة مباشرة كرست القيادة في الشمال وأجهزتها حملة واسعة تصب في نفس
المجرى الذي يذهب إلى القول أن الوحدة سلقت سلقاً وأن شعب الجنوب لم يستفت
عليها.. إلخ، وذلك عندما ظلت تردد على نحو واسع أن قيادة الحزب الاشتراكي
هربت إلى الوحدة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وكان الهدف هو كسر مكانة
"الشريك" الآخر في الوحدة وإظهاره بأنه لم يأت إلى الوحدة إلا مجبراً، وهذا
يضع فارقاً عمليا بين إرادة قيادة هاربة من مصيرها إلى "الملاذ الأمن"
وإرادة شعب لا تمثله هذه القيادة ولم تأخذ رأيه "وفقاً لحملة قيادة الشمال
التي لا زالت حتى اليوم" لإنشغالها بنفسها، وهو ما يسوغ الأراء التي يطرحها
البعض اليوم والتي تقول أن الوحدة التي وقعتها هذه القيادة لا تعنينا في
شيء، كانت الحملة ولا زالت سبباً في إرباح ركن أساسي من أركان الوحدة وهو
ركن الإرادة أي إرادة التوقيع الممولة بالحق الدستوري والقانوني وغيرها من
الشروط في تمثيل مصالح شعب الجنوب في دولة الوحدة الجديدة. لقد عمدت هذه
الحملة إلى إظهار القيادة التي وقعت الوحدة مع قيادة الجمهورية العربية
اليمنية وكأنها تعسفت شعب الجنوب باقحامه في وحدة غير مدروسة مجهولة
النهايات، مع العلم أنها لا يوجد أي برهان سياسي أو اقتصادي أو معنوي من أي
نوع كان على أن الشمال يومذاك كان بمثابة ملاذ أمن لأي قيادة أو دولة هاربة
أو أن الهروب إليه مغرياً لأن الأوضاع الاقتصادية هناك كانت أسوأ بما لا
يقاس مع الأوضاع في الجنوب لدرجة أن ضمانات البنوك التجارية كانت تعاد من
الخارج بسبب الوضع المالي الحرج، ناهيك عن الأوضاع السياسية المضطربة التي
دفعت بالنظام إلى الهرب إلى اتحاد التعاون العربي الذي ضم مصر والعراق
والأردن.
هذا الأسلوب الذي تعاملت به قيادة صنعاء مع ا لقادمين من عدن فتح ثغرة هامة
في جدار الوحدة منذ اليوم الأول الذي انطلقت فيه تلك الحملة، تدفقت منها
أسئلة كثيرة حول شرعية هذه الوحدة، فإذا كانت صنعاء لا ترى في الطرف الآخر
"الشريك" إلا هارباً يجب التعامل معها كلاجئ، فكيف سيتم ترتيب أوضاع دولة
الوحدة وشراكتها في وضع كهذا!! أي أن هذا "اللاجئ" عليه أن يقبل ما يعرض
عليه فقط، ولا يجوز له أن يفكر أبعد من ذلك.
وبسبب هذه القاعدة التي تمسكت بها قيادة صنعاء كإطار عام بعلاقتها بالشريك
القادم من الجنوب تعثر برنامج بناء دولة الشراكة الوطنية واصطدمت بعقبات
حقيقية جعلت الفترة الانتقالية تمر دون القيام بأي خطوات جادة لتنفيذ اتفاق
الوحدة الخاصة باستكمال أسس بناء الدولة الوطنية الوحدوية، وعوضاً عن ذلك
تم العمل باتجاهين لتصفية دولة الجنوب وأجهزتها ومؤسساتها، وتكريس مؤسسات
وأجهزة دولة الشمال كأساس للدولة الجديدة.
كانت هذه العملية هي أبرز تجليات الصيغة الالحاقية التي انقلبت على الوحدة
ودولة الشراكة الوطنية، والتي مهدت لها كما قلنا، تلك الحملة التي أطلقتها
قيادة صنعاء ضد شريك الوحدة، ناهيك عما أطلقته من إشاعات وحملات من أن تلك
القيادة استلمت ثمن الوحدة،كل ذلك بهدف تمرير مخطط الضغط الرامي إلى التخلي
عن بناء دولة الشراكة الوطنية لشطري البلاد والتي كان التمسك ببنائها يعني
فيما يعنيه إعادة هيكلة النظام السياسي على أسس مختلفة، وهو ما لم تسمح به
قيادة صنعاء التي مكنتها عوامل كثيرة من أن تغدو القوة المطلقة المسيطرة
على مركز القرار.
كان هذا المحرك الحقيقي للأزمة السياسية، رافق ذلك البدء بعملية الاغتيالات
والتفجيرات ضد قيادات وكوادر دولة الجنوب والحزب الاشتراكي والتي أودت
بحياة الكثيرين وخلقت الهلع والخوف وسط حملات التكفير والتعبئة والتحريض
بالقتل، في حين تولت الصحف الرسمية مهمة تغطية مثل هذه الأعمال وتبريرها
والدفاع عنها أحياناً، لقد ولدت هذه الأعمال إحباطاً عاماً واتسعت معها بل
وتعددت الثغرات على جدار الوحدة.
وفي هذه الأجواء طرحت وبقوة فكرة دمج الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي،
وكان واضحاً أن فكرة الدمج هي المحاولة الأخيرة لقتل مشروع بناء دولة
الشراكة الوطنية الديمقراطية التي تجسد المضمون الحقيقي للوحدة، غير أن هذه
الفكرة رفضت من قبل الحزب الاشتراكي، وهو ما يؤكد أن الأزمة التي نشأت بين
طرفي الوحدة كانت تدور حول فكرتين:
إما 1- شراكة سلطتين. أو 2- شراكة دولتين.
لقد كان رفض الحزب الاشتراكي لعملية الدمج منسجماً مع رأيه وموقفه من رفضه
لفكرة شراكة السلطتين على حساب الشراكة الحقيقية التي كان يصر أن يكون
الجنوب فيها ممثلاً وشريكاً كاملاً في دولة الوحدة، ورفض بالتالي الشراكة
نيابة عن الجنوب، ولو أنه قبل ذلك النوع من الشراكة أي شراكة السلطتين لجاز
اتهامه بالتخلي عن الجنوب كما يردد البعض اليوم، ولكنه تمسك بحق شراكة
الجنوب في دولة الوحدة ولا زال حتى اليوم يتمسك بذلك.
إن هذا الموقف للحزب يرد على من يقيمون الوحدة بأنها مجرد اقتسام للمناصب
أو أنه هروب إلى الوحدة، لقد كانت الوحدة بالنسبة للحزب مشروعاً وطنياً كما
هي اليوم، سواء وهو في السلطة أو اليوم وهو في الشارع ولن تكون غير ذلك.
لقد ظل الحزب الاشتراكي في وضعه المحاصر بعد الوحدة يصر على قيام دولة
الشراكة الوطنية الديمقراطية، غير أن مقومات هذا المشروع كان يجري تقويضها
وإضعافها بتوظيف العوامل التالية:
1- إن الإرادة السياسية لقيادة صنعاء اتجهت نحو إضعاف وكسر إرادة الشركة
باستخدام كل الوسائل بما في ذلك ضغوط التفجيرات والاغتيالات وحملات التكفير
وغير ذلك من حملات التشويه والوسائل التي أتاحتها ظروف ما بعد الوحدة،
ساعدها في ذلك احتفاظها بموقعها وأجهزتها ومؤسساتها كاملة في السلطة والتي
شكلت مصدر قوتها ورجحان كفتها في التعامل الشريك.
2- تراجع الإحساس بالوحدة كمشروع استراتيجي للوطن وإعادة "صياغتها" في
الوعي من خلال وقائع الحياة على أنه مجرد مشروع للإلحاق وهو ما عبرت عنه
قيادة صنعاء في تلك الفترة في أكثر من مناسبة.
3- لم يشرع للشراكة الوطنية على النحو الذي يجعل التمثيل في هيئات ومؤسسات
الدولة المختلفة معبراً عنه بمعايير أخرى غير معيار السكان الذي أخذ به
قانون الانتخابات والذي كان يجب أن يكون موقع إتفاق إرادتين سياسيتين.
لقد نشأ عن هذا الوضع أنه بينما مثل الجنوب في السلطة التأسيسية لدولة
الوحدة بشكل عبر عن دولة مقابل دولة، فإنه بسبب هذا الوضع المستجد أخذ
تمثيل الجنوب يتقلص في هيئات ومؤسسات السلطة على نحو بدا وكأنه يختزل بصورة
أصغر من مكانته كشريك أو كطرفٍ ثانٍ في الوحدة.
أدى هذا التراجع المفاجئ في التمثيل في مؤسسات "دولة الوحدة" إلى طرح سؤال
حول مستقبل الشراكة التي تمسك بها سكان الجنوب لتأمين حقوقهم السياسية
والاقتصادية والحقوقية المطلبية.
المشكلات التي أسفرت عنها تطبيقات السنوات الانتقالية (1990-1993) يراها
البعض سبباً في بلورة "القضية" على هذا النحو والحقيقة أن الجانب الأكبر من
هذه المشكلات لم تكن موضوعية بقدر ما كانت إرادوية، أي أنها صنعت صنعاً
بصورة معاكسة لمضامين الوحدة واتجهت بالبلاد نحو أزمة حادة تداعت فيها
القوى السياسية إلى بحث الأزمة والتوصل إلى ما عرف بوثيقة العهد والاتفاق.
ما حدث بعد ذلك معروف، ولا مجال لبحثه هنا، فقط نريد أن نستخلص من هذه
المرحلة نتيجة هامة وهي أن فرقاء الحياة السياسية الذين تصدوا لبحث الأزمة
واعترفوا بها وسلموا بأن حلها حماية للوحدة يكن في تطبيق وثيقة العهد
والاتفاق، والسؤال هو لماذا تخلت عنها السلطة المنتصرة في الحرب "حرب
1994".
الواضح أنها لم تكن في الأساس تعترف بوجود أزمة حقيقية ناشئة عن المشكلات
التي أفرزتها الفترة الانتقالية أو كشفت عنها كمشاكل موضوعية، ونظرت إلى
المسألة من زاوية مختلفة وهي أنه بمجرد إخراج الحزب الاشتراكي من تحالف
الحكم بالحرب فلن تبقى هناك مشكلة أو أزمة.
لم تستطع أن تفرق بين ما اعتبرته مشكلة الحزب الاشتراكي من ناحية ومن ناحية
ثانية بين المشكلة الحقيقية المرتبطة بشراكة الطرف الآخر في الوحدة الذي هو
الجنوب الشريك الفعلي الذي قاده الاشتراكي إلى الوحدة ورفض أن يكون شريكاً
نيابة عنه.
ولهذا السبب رحلت المشكلة إلى ما بعد الحرب، ناهيك عما أنتجته الحرب من
مشكلات أخرى أعمق وأشد تأثيراً أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأزمة ليست
مفتعلة، وأن جذرها يكمن في عدم القدرة على استيعاب حاجة الوحدة إلى دولة
وطنية ديمقراطية تحقق شراكة فعلية لدولتيها السابقتين سكاناً وأرضاً ليس
فيها غبن أو إجحاف أو إستعلاء أو مناورة.
والحقيقة أن هذه المرحلة مهدت بقوة لظهور "القضية الجنوبية" حيث أدت الحرب
ونتائجها والسياسات التي أعقبتها إلى تكريسها كقضية حقيقية ذات بعدين:
حقوقي مطلبي، وحقوقي سياسي.
المرحلة الثالثة: وهي ما بعد حرب 1994، كشفت الحرب وما أعقبها من سياسات
وممارسات لسلطة المؤتمر الشعبي عن أن المشاكل التي واجهتها الوحدة إلى ما
قبل الحر أنها كانت بفعل ممنهج مدروس، رتب الوصول بالحياة السياسية إلى
نقطة تصبح فيها إقصاء وشطب الطرف الآخر بالحرب تبدد وكأنه مخرجاً من
الأزمة، بينما الحقيقة هي أن ذلك الطريق لم يكن مخرجاً من الأزمة بل طريق
التكريس مضمون مختلف للوحدة وهو ما عمق الأزمة على نحو أشد وأخطر مما كانت
عليه.
الحرب كان هدفها الانقلاب على الوحدة السلمية والديمقراطية واستحقاقاتها
التي رأي شريك الوحدة في صنعاء أنها ستفرض معايير مختلفة للحكم تتعارض مع
ما رتب لها من الاستئثار بالحكم لمواصلة السير بنفس المنهج الذي سار عليه
قبل الوحدة.
ولذلك كان أول ما أقدمت عليه السلطة بعد الحرب هو شطب المواد الدستورية
والقانونية التي عبرت في الأساس عن طبيعة نظام الحكم في دولة الوحدة
واستبدلت بمواد أعادته إلى ما قبل الوحدة ويمكننا بهذا الصدد ملاحظة ما
يلي:
1- قامت الوحدة سلمياً وعلى قاعدة الديمقراطية، والتراجع عن الديمقراطية
هدم ركناً أساسياً من أركانها وتركها مكشوفة على ما سترتبه خيارات القوة من
نتائج.
2- الجنوب الذي جرت الحرب على أرضه أفرعت منه شحنات الوحدة السلمية
الديمقراطية وتم استزراع وحدة الدم والقوة وبث قيمها بدلاً عن ذلك ولم
يرافق ذلك أي مشروع سياسي وطني لبناء دولة الشراكة والمواطنة المتساوية
التي تطمئن الناس وتبرهن على أن الحرب كانت ضرورة لحماية الوحدة كما يقال،
العكس هو الصحيح ما مورس بعد الحرب أكد أنها كانت ضرورية لأهداف مختلفة
تماماً وفي مقدمتها التخلص من التزامات الوحدة الحقيقية الموقع عليها وفي
مقدمتها بناء دولة الشراكة الوطنية الديمقراطية، وهذا يؤكده ما وصلنا إليه
اليوم من طريق مسدود فيما يخص هذا الهدف الذي تعطل ولا زال يتعطل بفعل
التراجع عن الديمقراطية والالتفاف عليها كما يعبر عنه حالنا اليوم.
3- تعاملت السلطة ما بعد الحرب وحتى اليوم مع الجنوب كجهة وليس كطرف في
الوحدة، وأبقت الحالة الانقسامية في الوعي الوطني قائمة، فالأسلوب الذي
أتبعته مع الجنوب اقتصر على إبقائه حاضراً من خلال تعيين جنوبيين في مواقع
مختلفة بصورة كيفية كرست حضوره الشكلي ذو الطابع الانقسامي ولكنه غائب في
الشراكة، وهذه الحالة ظلت تنتج فجوة خطيرة في الوعي إزاء وضع الجنوب في
دولة الوحدة المنتظرة.
فالسلطة من ناحية عملت على الزج بالجنوب في أشلاء الصورة الممزقة للوحدة
السلمية وذلك بتكريس جهوية الجنوب في الكيانية العامة لدولة غائبة من خلال
التمثيل في السلطة بواسطة عناصر يتم اختيارها بعناية وعلى قاعدة سياسية
منتقاة وذلك على النحو الذي يبقيه حاضراً في الصورة فقط دون شراكة حقيقية،
وهوا ما زال يمارس حتى اليوم.
4- تم في سياق تمثيل الجنوب على هذا النحو الكيفي والشكلي وتشكيل توليفة من
مخلفات الصراعات السياسية السابقة في الجنوب، هذا التمثيل الشكلي والكيفي
مشتق في الأساس من جذر الولاء السياسي للجهة التي أصدرت قرار التعيين
وبالتالي لا يمكن أن يكون معبراً إلا عن حاجة المركز الذي اختاره لهذه
المهمة ولا يستطيع أن يكون غير ذلك، وهو التمثيل الذي يعيدنا إلى صيغة
شراكة السلطة التي كان قد رفضها الحزب الاشتراكي برفضه فكرة الدمج والتي
نتج عنها تلك الأزمة التي لم تنته بالحرب ولكنها أخذت تتبلور في صنع أكثر
تعقيد، من مظاهرها أن تم استبدال شراكة الجنوب بشراكة نخب سياسية واجتماعية
مختارة بعناية من قبل القيادة السابقة للجمهورية العربية اليمنية فقد قدم
الدليل على أن الأزمة التي سبقت حرب 1994م هي رفض إقامة نظام شراكة حقيقي
يكون فيه الجنوب كدولة سابقة حاضرا في بنية الدولة الوحدوية والعمل عوضاً
عن ذلك على استبدالها بشراكة أفراد مختارين بعناية وبناءا على معايير خاصة
أهمها الخصومة والعداء لنظام الحكم السابق في الجنوب والحزب الاشتراكي
حالياً.
والحقيقة أن "الشمال" نفسه لم يكن شريكا أو يتمتع بالشراكة على النحو الذي
يجري الحديث فيه عن شراكة الجنوب المخطوفة، فشراكته هي أيضا قد خطفتها نخب
سياسية وعسكرية وقبلية والفرق هو أن نظام الجمهورية العربية اليمنية حافظ
على كيانيته ورفض
|